ندوة علمية: مواضيع التراث والممارسات الثقافية في الجزائر: سؤال المنهج والمنهجية،وهران، الجزائر، 12 مارس 2026

محمد حيرش بغداد (مؤلف)
Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle, 31 000, Oran, Algérie. °N°ORCID : 0000-0002-6570-1591
41 – 43
الجزائر من منظور الديكولونيالية
ع. 112 — م. 30 — 30/06/2026

تعد الندوة الداخلية لقسم "المخيال والسيرورات الاجتماعية" المنعقدة في 12 مارس 2026 بالمركز، محطة علمية لمساءلة المنهج والمنهجية في دراسة التراث اللامادي والممارسات الثقافية في الجزائر، وهي تمثل بداية لسلسلة من اللقاءات الهادفة لتفكيك الإشكالات الإبستمولوجية التي تواجه الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية. تنطلق هذه الندوة من ملاحظة نقدية مفادها أن المسألة المنهجية غالباً ما تظل مسكوتاً عنها أو يتم المرور عليها سريعاً في المتون العلمية، حيث ينصب تركيز الباحث عادة على عرض النتائج والبرهنة على صدقها، في حين يغيب النقاش المعمق حول "فلسفة العمل" والمنطق الداخلي الذي يحكم المسار البحثي كاملاً.

كما تتمحور الإشكالية الأساسية لهذه الندوة حول ضرورة تمكين الباحث من التحدث بوعي ودقة وقناعة عن خياراته المنهجية، وقدرته على تشخيص موقعه ضمن التنوعات المنهجية المعاصرة، خاصة في ظل الدراسات البينية التي تكسر الحواجز التقليدية بين التخصصات. وتتوزع مداخلات الندوة لتخدم هذا الهدف من خلال تنوع موضوعاتي ومقارباتي ثري؛ فبينما تتناول المداخلات دراسة "الفنتازيا" للباحثة حميدة نسيمة من المركز مسألة تراثية حدودية عبر المقاربة الأنثروبولوجية والأدوات الميدانية، نجد قراءة أخرى للباحث حينوني رمضان من جامعة تمنغست تنبش في السجالات الأدبية التي جمعت كل من شارل دي فوكو، داسين وموسى أغ أمستان ضمن الثقافة التارقية لتحليل البنية الاجتماعية والخطابية للسجالات الدائرة بينهم، في حين ينصرف جانب آخر لتحليل آليات التّحول من البنية التشكيلية إلى السينمائية للباحث مراح مراد من جامعة سيدي بلعباس، أو سوسيولوجيا سوق الفنون التشكيلية للباحث حسني عبد الواحد من جامعة وهران، وصولاً إلى إشكالية توظيف أدوات التكميم والإحصاء في دراسة فهارس المخطوطات للباحث محمد حيرش بغداد من المركز، وذلك ضمن مشروع مؤسسة حول "المرجعيات الثقافية في الجزائر".

إن هذا التعدد في المواضيع -من المخطوط إلى الفيلم ومن الطقس الشعبي إلى الفن التشكيلي- يفرض بالضرورة تعددية منهجية مرنة تتراوح بين الكمي والنوعي، وتستدعي أدوات الفيلولوجيا، الإثنوغرافيا، والتحليل السيميائي. وتؤكد الندوة على أن العلاقة بين هذه المداخلات تكمن في قدرتها على صياغة "قراءة كلية" تتجاوز التوصيف السطحي، حيث يكمل التاريخ سياق النشأة، ويحلل علم الاجتماع الأدوار الوظيفية، بينما تكشف الأنثروبولوجيا عن الرموز المخيالية، ما يجعل المنهج أداة تطويعية حية تتكيف مع إكراهات الميدان وطبيعة الموضوع.

تخلص الندوة إلى أن القدرة على تحديد المنهج بدقة هي عملية نضج تتحقق غالباً بعد الانتهاء من البحث، حيث تنجلي الضبابية التي ترافق البدايات. إن الهدف الأسمى ليس مجرد اتباع "قالب جامد"، بل الوصول إلى مرحلة "المنهجية" كعلم للمناهج يبرر لماذا سلك الباحث طريقاً دون غيره. وبهذا، تضع هذه الندوة اللبنة الأولى لممارسة بحثية في القسم، تضع المنهج في قلب النقاش العلمي وتؤسس لندوات قادمة تعمق النظر في الأبحاث المتعلقة بإشكالية المرجعيات الثقافية الجزائرية. وقد تجاوزت الندوة القراءة الوصفية لتغوص في التحدي الإبستمولوجي المتمثل في فك التداخل بين "المنهج" كتقنية إجرائية و"المنهجية" كإطار فلسفي؛ فإذا كان المنهج هو "الطريق" التقني لجرد المخطوطات أو تسجيل المقابلات، فإن المنهجية هي "علم المناهج" الذي يفحص شرعية هذا الاختيار.

إن مساءلة المنهج في قسم المخيال تستدعي استحضار نماذج فكرية كبرى؛ حيث تبرز الفلسفة البنيوية كأداة لتحليل الممارسات الثقافية كأنساق مغلقة تحكمها قواعد خفية تتجاوز الفرد، بينما تتقدم الفلسفة الوظيفية لتفسير الظواهر (كالزاوية أو الفنتازيا) كأعضاء حيوية تضمن توازن النظام الاجتماعي وتلبي احتياجاته إلى الاستمرار. وفي سياق دراسة المرجعيات الثقافية، تفرض الفلسفة الكليانية (Holism) نفسها كضرورة، حيث لا يمكن فهم الجزئيات إلا من خلال نظرة شمولية تعتبر "الكل أكبر من مجموع أجزائه"، وهو ما يتقاطع مع المقاربة البينية (Interdisciplinarity) التي تكسر الحواجز بين التاريخ، الجغرافيا، وعلم الاجتماع لتقديم "قراءة كلية" للمتن البحثي. كما تبرز الحاجة إلى الفلسفة الوصفية في رصد الظواهر كما هي في "الحاضر"، ممهدة الطريق لـ الفلسفة التحليلية التي تفكك القضايا المعقدة إلى عناصرها البسيطة، تجنباً لسوء استخدام الألفاظ أو الغموض الميتافيزيقي.

تثير الندوة أيضاً إشكالية "الكمي والنوعي"؛ فبينما يرتكز المنهج الكمي على البيانات الإحصائية لوصف الظواهر، يغوص المنهج النوعي في المعاني العميقة عبر الملاحظة والمقابلة. ومع ذلك، يظل التحدي قائماً في العلوم الإنسانية؛ إذ يصعب تحقيق "الصدق المطلق" للنتائج كما في العلوم التجريبية، نظراً لاستناد الباحث -بوعي أو دونه- إلى أحكام مسبقة وخلفيات إيديولوجية ولغوية. لذا، فإن التكميم (الإحصاء البسيط) في دراسة المخطوطات أو التكرارات اللفظية ليس غاية في حد ذاته، بل هو أداة لترتيب "الكم المعرفي" واستجلاء الأنماط الكبرى، شريطة أن يُدعم بقراءات نقدية تعيد الروح للرقم وتحوله إلى مؤشر سوسيو-ثقافي يعكس بنية الفكر والمجتمع.

 

 

 

Cite this article

HIRRECHE BAGHDAD, M. (2026). ندوة علمية: مواضيع التراث والممارسات الثقافية في الجزائر: سؤال المنهج والمنهجية،وهران، الجزائر، 12 مارس 2026. Insaniyat - Algerian Journal of Anthropology and Social Sciences, 30(112), 41–43. https://www.insaniyat.crasc.dz/en/article/14