تقديم

جيلالي المستاري (مؤلف)
Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle, 31 000, Oran, Algérie. N° ORCID : 0009-0009-2322-393X
9 – 13
الجزائر من منظور الديكولونيالية
ع. 112 — م. 30 — 30/06/2026

يتناول هذا العدد من مجلة إنسانيات موضوعا ذا دلالة في النقاشات والدراسات المعاصرة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، إذ يتعلّق الأمر بما يمكن تسميته "الفكر الديكولونيالي"، باعتباره اتجاها نقديا، من وجهة نظر إبستمولوجية. فإذا ما جمعنا أطروحاته في مجالات وحقول بحث مختلفة، سنجد أن الهدف المعرفي هو استئناف مساءلة خطاب المركزية الأوروبية ومفاهيمها المختلفة حول قضايا الحداثة وتجارب الاستعمار والتحرير، لا من منطلق وصفي أو تاريخي وحسب، بل من رؤية معرفية تتقاطع فيها حقول علمية متعدّدة وإسهامات دولية مختلفة من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بما يجعل الإرث المعرفي الحديث في علوم الإنسان والمجتمع موضوع مراجعة نقدية جذرية عميقة.

وأهمّ ما كشفت عنه هذه الدراسات، في سياقاتها التي أنتجت فيها ومبرّرات تحيينها اليوم، هو تعرية بنية الخطاب الاستعماري داخل معمار المعارف الحديثة حول قضايا الذاكرة والتاريخ والمجتمع والاقتصاد والثقافة، ولم يقف إسهامها عند هذا المستوى، بل اتجه نحو تملّك المفاهيم المنتجة وتبيئتها أو توطينها في تداول منتج مع المعارف الحديثة، ودون التصادم معها بشكل وجداني منفعل كما نجده في بعض الخطابات الهويّاتية. ويمكن أن نتتبّع مسار هذا الاتجاه النقدي في بعض كتابات باحثين وفلاسفة من أمريكا اللاتينية، كما هو الحال بالنسبة لأنيبال كيخانوQuijano, 2000, p. 533-580)) الذي تناول مفهوم " استعمارية السلطة"، أو والتر ميغنولو (Mignolo, 2010) الذي أسّس لمعنى "العصيان المعرفي" والتحرّر من منطق الهيمنة في بناء المعارف وتسويقها وفرضها أحيانا. وفي آسيا، فكّكت دراسات إدوارد سعيد (Said, 2006) مسلّمات الخطاب الاستشراقي، وتشكّل مشروع "دراسات التابع" في أطروحة راناجيت غوها (Guha,1983) التي دافعت عن مكانة الهامش في كتابة التاريخ. كما نجد كتابات إفريقية، تحمل هذه الرؤية المعرفية والأخلاقية المناهضة للخطاب الكولونيالي، ومثال ذلك فرانتز فانون (1961Fanon, ) في تحليل الآثار النفسية والثقافية للاستعمار، وأشيل مبيمبي (Mbembe, 2013) في نقده للمنطق الاستعماري الجديد أو ما أسماه "بسياسات الموت"، أو النقد الذي وجّهه فالنتين موديمبي (Mudimbe, 1988) للمعارف الاستعمارية وطرق بنائها لصورة إفريقيا في المخيال الحديث، بالإضافة إلى نقد سمير أمين (1988) للهيمنة الاقتصادية الغربية.

وفي الكتابات الجزائرية تتجلى امتدادات هذا الاتجاه في تعدّد حقولها البحثية، ومثال ذلك: أعمال مالك بن نبي (2013) حول مفهوم "القابلية للاستعمار"، ومصطفى الأشرف (1998) في تحليله لإشكاليات الهوية وآثار الاستعمار على البنى الاجتماعية والثقافية والشريف ساحلي) 1965 (حول تحرير التاريخ الذي يستدعي ثورة كوبرنيكية من "أجل التنديد بأخطاء وتحيزات التاريخ الرسمي للحقبة الاستعمارية" ، وغيرهما من السوسيولوجيين والأنثروبولوجيين والمؤرّخين والاقتصاديين والأدباء الذين أسّسوا لمعارف حول معاني التحرّر وبناء معارف ما بعد كولونيالية . ورغم كلّ ما يلازم هذا الاتجاه النقدي من أسئلة حول مشروعية أدواته النظرية ومقارباته المنهجية، إلاّ أنّ إشكالياته لا زالت محيّنة في كثير من الكتابات اليوم على اختلاف السياقات والموضوعات. 

وفي هذا المنحى النقدي، يقترح هذا العدد ثلاث أوراق بحثية تتقاطع مضامينها مع الأطروحات المعرفية للخطاب الديكولونيالي، رغم الاختلافات في طرق التحليل وأهداف التداول ومقاربات ومنطلقات كل ورقة. يتوقف مقال مريم هاله دافيس حول "الثورة الجزائرية ومزالق النظرية الديكولونيالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، عند حدود تطبيق النقد الديكولونيالي على حالة حرب التحرير، مبينًّة أنّ بعض أطروحات هذه الرؤية، رغم أهميتها في نقد المركزية الأوروبية، قد تؤدي إلى قراءة اختزالية للتجربة الجزائرية، ويظهر ذلك عندما تُهمل خصوصياتها التاريخية والسياسية. ومن خلال إعادة قراءة أعمال عدد من المثقفين الجزائريين، مثل محمد شريف ساحلي ومصطفي الأشرف وأحمد طالب الإبراهيمي ومالك بن نبي، يدافع المقال عن فهم أكثر تاريخية وتعقيدًا لمسار التحرّر الوطني، ويُبرز أنّ رهانات هؤلاء المفكرين كانت مرتبطة بالاستراتيجية السياسية وبناء الدولة أكثر من البحث عن "نقاء" معرفي أو ثقافي.

أما مقال مليك طاهر شاوش حول "الحرب المناهضة للاستعمار والجزائر ما بعد الاستعمار في ضوء المنعطف الديكولونيالي بأمريكا اللاتينية" فيتبنّى موقفا مختلفًا، إذ يسعى إلى إبراز القيمة التفسيرية للفكر الديكولونيالي في قراءة الحرب التحريرية و جزائر ما بعد الاستقلال. ويعيد في مراجعته لأعمال مفكري "الديوكولنيالية" في أمريكا اللاتينية عرض المفاهيم المؤسسة لهذا الاتجاه، وفي مقدمتها "استعمارية السلطة"، قبل أن يناقش إمكانية توظيفها لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها الجزائر. وينتهي الباحث إلى إثبات قدرة المقاربة الديكولونيالية على تجديد النقاش حول الاستعمار وخطابه واستمرار آثاره ذات الطبيعة البنيوية.

ويقدّم مقال محمد عامر مزيان " خرائط الفكر الديكولونيالي " قراءة إبستمولوجية لمسارات هذا الفكر النقدي المناهض للاستعمار، مميزًا بين ثلاث لحظات رئيسية هي: الفكر المناهض للاستعمار، والدراسات ما بعد الكولونيالية، والفكر الديكولونيالي. وتبرز الدراسة المكانة التي تحتلها المنطقة المغاربية، ولا سيما أعمال عبد الكبير الخطيبي، في إعادة تشكيل هذا الحقل، وتنتهي إلى تجاوز التقسيمات التقليدية وإعادة إدماج الإسهامات المغاربية في تاريخ هذا الاتجاه النقدي العالمي.

تكمن أهمية هذه الدراسات، على اختلاف مقارباتها ومدوّناتها، في أنها لا تقدم تصورًا واحدًا للاتجاه النقدي الديكولونيالي، بل تعرض مواقف بحثية مختلفة: موقفًا نقديًا يحذر من تعميم مقولاته، وموقفًا يدافع عن قدرته التفسيرية، وموقفًا ثالثًا يعيد رسم خريطة هذا الحقل المعرفي من منظور تاريخ الأفكار مبرزا قيمة الدراسات المغاربية في إثراء هذا المنحى العالمي. ومن خلال هذا التنوع، تساهم المقالات في تعميق النقاش حول العلاقة بين التجربة الجزائرية والمغاربية والنظريات النقدية المعاصرة، كما تفتح المجال أمام إعادة التفكير في مفاهيم التحرر وإنتاج المعرفة، بعيدًا عن الخطابات الاختزالية أو المركزيات ذات الطبيعة الأيديولوجية.

وإلى جانب المقالات السابقة، يضم هذا العدد مساهمات بحثية أخرى تتناول قضايا تاريخية وأدبية وثقافية من جهة وعمرانية من جهة ثانية.

في مساهمته حول"بناء الأنساب وإيديولوجيا النسب لدى الآغا بن عودة المزاري"، ينطلق صادق بن قادة من فحص مخطوط تاريخي حول الأنساب يعود لنهاية القرن التاسع عشر وضعه الآغا بن عودة مزاري. ويقدّم تحليلا نقديا لاستراتيجيات توظيف "الأنساب" كآلية إيديولوجية لاصطناع شرعية أرستقراطية (فئة الأجواد) لمواجهة التغلغل الاستعماري. ويستجلي من خلال هذا التحليل السياقات السياسية التي أفرزت هذا المخطوط، باعتباره ردّا على سياسات "تفكيك الإقطاع الأهلي" التي اعتمدتها الإدارة الفرنسية، والتي أفضت إلى تهميش وإفقار الأعيان أو النخب المحلية.

وفي هذا العدد أيضال يستكشف الباحث يحيى صالح حسن دحامي في مقاله " قراءة في مهرجان الجنادرية وتأثيره على الأدب السعودي" العلاقة المتداخلة بين الشعر، الهوية الوطنية، والإرث الثقافي في المملكة العربية السعودية. ويسلّط الضوء على أوبرات الجنادرية بوصفه نموذجاً للفنون الشعرية والأدائية التي تجمع بين الأصالة والتقليد والتعبير الحديث الشامل. ويتتبع مسار تكييف النصوص الشعرية المرتبطة بالشعر النبطي والتقاليد الشفوية لشبه الجزيرة العربية وتحويلها أعمال أدائية مسرحية وتلفزيونية ترسخ المبادئ الأخلاقية والروحية.

وفي اتجاه آخر مختلف، تقدم الباحثة إيمان الزعق في مقالها حول "السكن العفوي والسياسات العمرانية بمدينة سوسة (تونس)" دراسة سوسيومجالية وعمرانية حول أزمة السكن العفوي في مدينة سوسة التونسية باعتبارها نموذجاً لأزمة التوسع السكاني المتسارع. ترصد الدراسة ملامح اللامساواة الحضرية والتفاوت المجالي بين شمال مدينة سوسة، الذي يغلب عليه النشاط السياحي والخدمي والسكن الراقي، وجنوبها، الذي يهيمن عليه النشاط الصناعي وأحياء السكن العفوي مبرزةً الخصائص العقارية المعتمدة والتقسيم غير القانوني. وتنتهي إلى تقييم المشروع النموذجي لتهيئة وتهذيب "حي المطار" بسوسة كآلية تشاركية بين القطاعين العام والخاص.

في هذا العدد، يتناول جان روبر هنري في حواره مع مجلة إنسانيات مسيرته الأكاديمية التي بدأت في الجزائر عام 1963، حيث كان طالبًا ثم مدرسًا في جامعة الجزائر، حيث تابع عن كثب عملية "إضفاء الطابع الجزائري" على المناهج الدراسية. وقد كرس السيد هنري، الذي يشغل منصب أستاذ القانون ومدير أبحاث في المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS)، حياته المهنية لأبحاث متعددة التخصصات تتعلق بالقانون الاستعماري وما بعد الاستعماري الجزائري، بالإضافة إلى العلاقات بين الجزائر وأوروبا والبحر الأبيض المتوسط. سيكتشف قراء هذه المقابلة وجهة نظره حول قضايا التاريخ والذاكرة، حيث يشير إلى أهمية "عدم الخلط بين عمل الذاكرة وواجب التاريخ، حتى وإن كان من الواضح أن كليهما يتفاعلان".

 

 

استشهد بهذا المقال

EL MESTARI, D. (2026). تقديم. إنسانيات - المجلة الجزائرية في الأنثروبولوجيا و العلوم الاجتماعية, 30(112), 9–13. https://www.insaniyat.crasc.dz/ar/article/tqdym-112