التوسّع العمراني وتحدّيات الاستدامة وحماية الأوساط الطبيعية الهشّة في حوض واد بوسلام خلال الفترة 1997-2018 م

عمار سماعلي (مؤلف)
13 – 47
عدد متنوع
ع. 110 — م. 29 — 31/12/2025

 شكّلت الاستدامة البيئية خلال العقود الأخيرة إطارا مرجعيا متزايد الحضور، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية في السياسات التنموية الحديثة، وذلك في ظل تصاعد التحدّيات المرتبطة بتدهور الأوساط الطبيعية الهشة، وتسارع النمو العمراني، والتلوّث وتنامي الضغوط على الموارد. وقد أسهم هذا السياق في الانتقال بالاستدامة من كونها خيارا تخطيطيا، إلى أحد متطلبات جودة الحياة، وأحد معايير اختبار مدى فعالية أدوات التخطيط والتهيئة نفسها ومدى قدرتها على الاستجابة لتعقيدات الواقع البيئي. يطرح هذا المنظور تساؤلا حول قدرة المنظومة التخطيطية –بقوانينها ووثائقها ومؤسّساتها- على ترجمة التوجّه نحو الاستدامة إلى واقع بيئي قابل للملاحظة والقياس. وفي هذا الإطار تأتي الحوكمة، لا بوصفها توجها نظريا، بل كقدرة عملياتية على تنسيق تدخلات الفاعلين، وتوجيه القرارات، وربط مخططات التهيئة بآليات تنفيذ ومتابعة قابلة للتقييم.

يزداد هذا التساؤل إلحاحا، ضمن السياق التنموي في الجزائر اليوم، حيث شهدت التنمية المستدامة حضورا متزايدا في الخطابات الرسمية ومختلف مخططات التهيئة الوطنية والإقليمية والمحلية، بل وتضمّنتها النصوص التشريعية والقانونية، ناهيك عن إعطائها الصبغة الدستورية. غير أنّ هذا التوجه، رغم أهميته في بناء إطار مرجعي، لا يضمن بالضرورة تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، إذ يواجه التطبيق هذا المفهوم على المستوى المحلي جملة من التحدّيات، تكشف عن فجوة واضحة بين مضامين وثائق التهيئة والمؤشّرات البيئية الفعلية، وترتبط هذه الفجوة أساسا بضعف الحوكمة الفاعلة. في هذا السياق، يبرز المستوى المحلي باعتباره مجال الاختبار الفعلي لنجاعة مقاربات الاستدامة، وخاصة المجالات الطبيعية الهشّة التي تشهد تمددا عمرانيا وتنوع في أنماط استغلال المجال وزيادة ضغوط التحضر.

يعدّ حوض واد بوسلام أحد أهم الأحواض الجزئية بحوض واد الصومام، حيث تمّ إقامة سد عين زادة على واد بوسلام المجرى الرئيسي للحوض بسعة 125 مليون م³، والموجه لتزويد العديد من التجمعات السكانية بالمياه الصالحة للشرب، ويصرف الحوض منطقة واسعة تقدر مساحتها بـ 2143,01كلم²، وتوجد به العديد من المدن الهامة مثل: سطيف، عين ولمان، صالح باي، عين تاغروت، وتوجد كل هذه التجمعات في السهول العليا السطايفية ومنها ما هي على مشارف واد بوسلام.

عرفت مدن الحوض نموّا حضريا متسارعا خلال العشريات الأخيرة، مدفوعا بالحركية الاقتصادية والديموغرافية التي تشهدها، وهو ما نتج عنه زيادة في حجم المياه المستعملة المطروحة سواء الحضرية أو الصناعية، الأمر الذي انعكس على نوعية مياه أودية الحوض وبحيرة السد. وتزامنا مع ذلك، ساهم الضغط المتزايد على العقار وضعف التحكم في التوسع العمراني في بروز أنماط من التوسع غير المخطط على مستوى الضواحي، وخاصة على مستوى ضاحية شوف الكداد القريبة من واد بوسلام، وهو ما يشكّل عامل تهديد للتوازن البيئي داخل هذا الوسط الطبيعي الهش وكذلك للغابة المحاذية للوادي.

 يُشكِّل واد بوسلام نظامًا إيكولوجيًا حساسًا يتميز بأهمية بيئية واقتصادية واجتماعية متداخلة، إذ يتمتع بتنوع بيولوجي ملحوظ، ويضمّ مساحات رعوية ومروجًا طبيعية تتداخل مع غطاء نباتي شجري، إلى جانب أراضٍي زراعية عالية الإنتاجية. كما تنتشر على ضفافه مزارع لتربية الأبقار تسهم في دعم الاقتصاد المحلي، أما من الناحية الاجتماعية والثقافية، فيمثل الوادي عنصرًا حاضرا في الذاكرة الجمعية للمجتمع السطايفي، بوصفه جزءا من التراث الطبيعي والثقافي للمنطقة. إنّ هذه القيمة متعدّدة الأبعاد تجعل الحفاظ على هذا النظام البيئي مسألة ذات أولوية، خاصة في ظلّ التحوّلات العمرانية المتسارعة التي تهدّد بفقدان موارده الطبيعية. وتبعا لذلك، تستدعي الأهمية الإيكولوجية لواد بوسلام، ودوره في الحفاظ على التنوّع البيولوجي المحلي، تطوير آليات حماية فعالة، قادرة على تحقيق توازن بين متطلّبات التنمية من جهة والحفاظ على التراث الطبيعي من جهة أخرى.

في ظلّ التحديات البيئية على مستوى حوض واد بوسلام، يطرح هذا البحث إشكالية تتعلق بمدى قدرة أدوات التخطيط على إسقاط المفاهيم الشاملة للتنمية المستدامة والحوكمة الحضرية على المستوى المحلي، وينطلق من سؤال رئيسي: إلى أيّ مدى استطاعت مقاربات التهيئة ووسائل حماية الوسط الإيكولوجي في حوض واد بوسلام أن تستجيب للتحديات المتسارعة للنمو السكاني وأن تسهم فعليا في حماية المياه السطحية من التلوّث خلال الفترة 1997-2018. ينطلق البحث من فرضية مفادها أنّ مخططات التهيئة والتوجهات الرسمية المعتمدة في الجزائر رغم ما تتضمنه من مبادئ في مجال الاستدامة وحماية الأوساط الطبيعية، ظلّت في كثير من الأحيان ذات طابع تخطيطي نظري أكثر منه عملي تطبيقي، وأنّ ضعف التنسيق المؤسساتي، وغياب رؤية شمولية للتحكّم في ديناميكيات التوسّع العمراني، شكّلا عاملين مهمّين من بين العوامل المفسّرة لاستمرار تدهور النظم البيئية في حوض واد بوسلام.

وقد اعتمدت في هذا البحث منهجية تحليلية-مقارنة ضمن مرحلتين زمنيتين: المرحلة الأولى تمتد من 1997 إلى سنة 2006، وتزامنت مع إدماج مفاهيم الاستدامة وتعزيز الإطار التشريعي والمؤسساتي، أما المرحلة الثانية فتمثّلها سنة 2018، والتي أعقبت تعزيز وسائل الحماية بإنشاء محطّتي تصفية جديدتين ودخولهما حيز الخدمة على مستوى حوض واد بوسلام. وتسمح هذه المقاربة المقارِنة بتقييم انعكاس التحوّلات التخطيطية والمؤسساتية على تطور نوعية المياه السطحية في الحوض، في ظلّ محدودية توفّر سلاسل زمنية متصلة وشاملة لمؤشرات جودة المياه، وهو ما حتّم اعتماد فترات مرجعية تتوفر بشأنها معطيات قابلة للتحليل والمقارنة. المنهجية المتبعة متعدّدة الأدوات تجمع بين التحليل النوعي للإطار التشريعي المنظّم لحماية البيئة والاستدامة في الجزائر، إلى جانب دراسة وثائق ومخطّطات التهيئة، فضلا عن تحليل المقابلات الموجهة مع الفاعلين المحليين. أما المقاربة الكمية فتعتمد على تحليل بيانات النمو السكاني، وتقييم جودة المياه السطحية على مستوى أودية الحوض وبحيرة سد عين زادة، بالاستناد إلى عشرة معايير فيزيوكيميائية ذات قيم حدية معتمدة من طرف الوكالة الوطنية للموارد المائية في الجزائر، وذلك خلال الفترتين المرجعيتين.

انطلق البحث من عدة دراسات سابقة حول موضوع تقييم جودة مياه سد عين زادة ومياه أودية حوض واد بوسلام، سواء من خلال تحليل بعض المؤشرات الفيزيائية والكيميائية، أو من خلال توظيف مؤشّرات مركبة لتقييم نوعية المياه، ويمكن الإشارة هنا إلى دراسة حديثة (Salamani et al., 2024) والتي اعتمدت تحليلا فيزيائيا-كيميائيا لعيّنات من المياه الخام ولعيّنات من المياه المعالجة على مستوى محطّة المعالجة عين زادة، خلال الفترة الممتدة من شهر فيفري إلى شهر ماي من سنة 2022، غير أنّ هذه الدراسة تظلّ محدودة من حيث الإطار الزماني والمجالي ولا تتطرق لديناميات التوسّع العمراني. وينطبق هذا الأمر على أغلب الأبحاث السابقة التي ركزت على مصادر تلوث محددة صناعية أو زراعية أو حضرية، واتسمت بطابع زمني محدود أو اقتصرت على فترات معيّنة من السنة، دون تتبع لتطوّر نوعية المياه السطحية على المدى المتوسط، ودون ربطها بديناميات النموّ السكاني والتوسع العمراني أو بتحولات سياسات التخطيط والتهيئة. كما أن هذه الدراسات لم تتناول بشكل مباشر مدى فاعلية مخطّطات التهيئة وأدوات حماية الوسط الإيكولوجي في تحقيق الاستدامة ضمن سياق التحضّر المتسارع. يهدف هذا البحث إلى تحليل التوجهات التشريعية والتخطيطية المتعلقة بالاستدامة البيئية والكشف عن أوجه التباين بين هذه التوجهات واسقاطاتها الميدانية على مستوى حوض واد بوسلام خلال الفترة المدروسة، مما يسمح بتقديم قراءة لفاعلية أدوات التهيئة ووسائل حماية الأوساط الطبيعية الهشة.

مفاهيم أساسية

التنمية المستدامة: مفهوم شرِهٌ يبتلع ما سواه

 تعدّ التنمية المستدامة المصطلح المحوري في خطاب التنمية الحديث (Mensah, 2019)، ورغم الزخم الكبير الذي يحظى به هذا المفهوم في المجالات السياسية والاقتصادية والعمرانية، وعلى جميع الأصعدة العالمية منها أو الإقليمية أو الوطنية والمحلّية (Ruggerio, 2021)، إلاّ أنه لا يعتبر جديدا، فكل مقوّمات التنمية المستدامة التي نعرفها اليوم كانت موجودة منذ سبعينيات القرن الـ 20(Albertone, 2025). جاء مؤتمر اليونسكو سنة 1968 (UNESCO, 1970) بفكرة التنمية دون المساس بالبيئة، وظهرت بعد ذلك المنظمات البيئية على غرار: أصدقاء الأرض سنة Friends of the earth 1969 ، والسلام الأخضر سنة 1971 Green Peace، إضافة إلى تزايد الكتابات الأكاديمية ذات التوجّه البيئي، وتنامي قوة الخطاب البيئي (Jacobus, 2006, p. 89)، إلى صدور تقرير نادي روما سنة 1972 بعنوان معبّر: "كفى من النمو"Halte à la croissance (Michel, 2021)، وانعقاد المؤتمر الأول حول القضايا البيئية بستوكهولم في جوان 1972 بهدف صياغة رؤية مشتركة حول كيفية مواجهة تحدي الحفاظ على البيئة البشرية وتعزيزها (UN, 1973)، وفي نفس السنة تم إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) وهي الوكالة المعنية بالقضايا البيئية. كل هذه المحطات شكلت الأساس الأول لظهور مصطلح التنمية المستدامة (Egelston, 2013).

كان ظهور المصطلح لأول مرة سنة 1980 في وثيقة مشتركة تحت عنوان "استراتيجية المحافظة العالمية" وبعنوان فرعي "المحافظة على الموارد الطبيعية في خدمة التنمية المستدامة" (IUCN, 1980)، واشترك في إصدارها برنامج الأمم المتحدة للبيئة EUNP، والاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة UICN، والصندوق العالمي للطبيعة WWF. وشكّل تقرير بروندتلاند Brundtland1 الذي صدر سنة 1987 بشأن المنظور البيئي حتى سنة 2000 تحت عنوان "مستقبلنا المشترك" الولادة الرسمية لعبارة التنمية المستدامة وكرّسها كمفهوم، كما قدّم تعريفا واضحا لها، بل ولافتا للنظر بطابعه العالمي: "التنمية المستدامة هي تنمية تستجيب لحاجيات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على الوفاء بحاجياتها" (برونيل، 2012، ص. 67-68).

بعد ذلك توالت المؤتمرات والإعلانات بداية من مؤتمر ريو دي جانيرو 1992 الذي انبثق عنه جدول الأعمال 21 (UN , 1993)، فالإعلان عن الأهداف الإنمائية للألفية، إلى قمة جوهانسبورغ 2002 (UN, 2002)، والتي دفعت باتجاه حدوث اتفاق واسع النطاق على أنّ التنمية المستدامة هي تنمية تحترم الطبيعة والأنظمة البيئية وتضمن الفعالية الاقتصادية دون إهمال الغايات الاجتماعية (Wu et al., 2024)، وبهذا "فالتنمية المستدامة تشكّل إطارا مرجعيا للعمل يمتدّ ليشمل مجالات كثيرة ضمن زمكان متسع" (Levy, 2003, p. 249) مما يجعل كل واحد يعطيها بعدا خاصا به، وهو ما جعل سيلفي برونيل يصف التنمية المستدامة بالمفهوم الشرِه " (برونيل، 2012، ص. 111) فهي بمعناها الواسع تقترن بالمصلحة العامة وتمتد لتحتوي كل القضايا المتعلقة بمصير البشرية والوسط الذي تعيش فيه.

الحوكمة الحضرية

 أصبح مصطلح الحوكمة الحضرية شائعا على نطاق واسع، فهو متداول في مختلف تخصّصات العلوم الإنسانية والاجتماعية والتكنولوجية ذات الصلة بالبحوث الحضرية (Song et al., 2023)، وكذلك على مستوى الهيئات الدولية والوطنية المرتبطة بالتنمية وصناعة السياسات (Asadzadeh et al., 2023). يشير Lukas (2019) إلى أنّ الحوكمة الحضرية مفهوم متعدد الدلالات ويميز بين ثلاثة أبعاد لهذا المصطلح وهي: البعد الوصفي للأشكال الجديدة من التفاعل والتعاون وعملية صنع قرار ات التسيير الحضري، البعد المعياري الذي يركز على ما يجب أن يكون وعلى المبادئ التي سوف تؤدي إلى إدارة أفضل وأكثر استدامة، البعد التحليلي الذي يوفر الأدوات التي تمكن الباحثين والمحلّلين من فهم وتفسير الأنماط والأساليب الفعلية التي يتم بها تسيير وتنظيم الشؤون الحضرية واتخاذ القرارات في سياقات جغرافية واجتماعية وسياسية مختلفة (Michael, 2019)، وتدعّم بحوث حديثة دراسة الحوكمة الحضرية من زوايا وصفية ومعيارية عند تحليل القضايا الحضرية المعاصرة (Zhu, 2025)، وعبر تطوير إطار تحليلي لقياسها وتقييمها (Hersperger et al., 2024).

يعرّف برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) الحوكمة الحضرية باعتبارها الطرق الكثيرة التي ينظّم بمقتضاها الأفراد والمؤسسات عملية الإدارة اليومية للمدينة، وهي كذلك تلك العمليات المستخدمة لتحقيق جدول الأعمال حول الموضوع في المدى القصير والطويل يُعنى بتطوير المدينة على نحو فعّال (United Nation Human Settlements Programme, n.d)، فهي في واقع الأمر عملية مستمرة لصناعة القرار تتداخل فيها أطراف فاعلة متعدّدة وأولويات مختلفة بهدف توجيه التنمية الحضرية وتوفير الخدمات (Asadzadeh et al., 2023). وبهذا فالحوكمة هي البيئة التمكينية التي تتطلب أُطر قانونية ملائمة ومؤسسات وسياسات وتنظيمات، وآليات ومبادئ توجيهية وأدوات تُمكن المسيّرين من الاستجابة لاحتياجات الأفراد والحصول على ضروريات الحياة الحضرية (Trimmer et al., 2023) والتي منها المياه الآمنة، والبيئة النظيفة. ويشير الإعلان بشأن المدن والمستوطنات البشرية الأخرى في الألفية الجديدة، المنبثق عن الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في جوان 2001 بهدف استعراض تنفيذ جدول أعمال الموئل2، إلى أنّ المدن تحتاج إلى نهج ومنهجيات محدّدة لتحسين إدارتها، وللتخطيط والعمل بصورة استراتيجية بغية الحد من الفقر الحضري والإقصاء الاجتماعي وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لكافة المواطنين وحماية البيئة بصورة مستدامة (UNGA, 2001).

وهكذا يظهر أنّ مفاهيم التنمية المستدامة والحوكمة الحضرية، ومنذ تسعينيات القرن الـ20 ، قد بدأت تفرض نفسها على الساحة الدولية. ليس هذا فحسب، بل اتجهت نحو الطابع التوجيهي الإجرائي بعد أن دُعيت الدول الموقّعة على الأجندة 21، وعددها 173 دولة، إلى دمج مبادئ خطة العمل العالمية هذه في التخطيط الوطني للتنمية لكل دولة، وهو ما يجعل لكل بلد أجندة وطنية للقرن 21، بعدها يتمّ تطبيق نفس الإسقاط داخل كل بلد، لإنشاء الأجندة المحلّية، بهدف إشراك الفاعلين المحلّيين في تنمية أقاليمهم من خلال دمج مفهوم الاستدامة.

الاستدامة في الجزائر: من التشريعات القانونية إلى دسترة المفهوم

التفتت الجزائر المستقلة مبكّرا إلى حماية البيئة من خلال مجموعة من التشريعات والمراسيم التي تضمنت بعض موادها الإشارة إلى حماية البيئة، فضلا عن تلك التي كان موضوعها هو البيئة على غرار قانون 83-03 المتعلّق بحماية البيئة الصادر في 05 فيفري 1983 والذي عوّض لاحقا بالقانون رقم 03-10 الصادر في جويلية 2003 والمتعلّق بحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة. كما جاء القانون 01/20 الصادر المؤرخ في 12/12/2001 والمتعلق بتهيئة الإقليم وتنميته المستدامة من خلال الاستخدام العقلاني للمجال والتوزيع المتوازن للأنشطة والهياكل. وفي سنة 2006 شغل مبدأ الاستدامة حيّزا مهمّا في القانون التوجيهي للمدينة رقم 06/06 في ظل التدهور البيئي الذي شهدته المدن الجزائرية، حيث نصّ القانون في المادة رقم 02 على ضرورة أن ترتكز سياسة المدينة على جملة مبادئ مرتبطة بالاستدامة والحوكمة الحضرية.

ومنذ قمّة جوهانسبرغ في عام 2002، كثّفت الجزائر أعمالها في مجال حماية البيئة والتنمية المستدامة، مما أعطى مكانة هامة للجوانب الاجتماعية والبيئية في اختيارها النموذج التنموي، وقد نفّذت الحكومة الجزائرية استراتيجية وطنية وخطة عمل للبيئة والتنمية المستدامة (PNAE-DD) عملت على إشراك جميع الوزارات والمديريات اللامركزية والجماعات المحلية والمجتمع المدني، بهدف دمج الاستدامة البيئية في استراتيجية تنمية البلاد. وقد تمّ تجسيد هذه الاستراتيجية من خلال تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي، وتعزيز الإطار المؤسساتي، إضافة إلى تخصيص استثمارات كبيرة لإطلاق المشاريع البيئية ووقف التدهور البيئي (6Algérie, 2011, p. ). ووفقًا للمواثيق الأممية قامت الجزائر بدمج بُعد الاستدامة في سياستها التنموية الوطنية من خلال أدوات التخطيط الخاصة بها من أجل الحفاظ على التوازن بين ضرورات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاستفادة من الاستخدام الرشيد لمواردها الطبيعية.

غير أنّ أهم تطور عرفته التنمية المستدامة في الجزائر هو "اختيار دمجها في المبادئ الرئيسية للأمة الجزائرية من خلال اعتماد قواعد دستورية سنة 2016 تشير صراحة إلى مفهوم التنمية المستدامة ومبادئها الأساسية" (Algérie, 2019, p. 20)، حيث جاء في ديباجة الدستور الجزائري (2016) ذكر مفهوم التنمية المستدامة بأبعادها الثلاثة وأن الشعب الجزائري يعمل على بناء اقتصاد منتج وتنافسي في إطار التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة، كما جاء في المادة 44 أنّ الدولة تعمل على ترقية البحث العلمي وتثمينه خدمة للتنمية المستدامة للأمة، كما توصي المادة 207 بتقييم فعّالية الأجهزة الوطنية المتخصّصة في تثمين نتائج البحث لفائدة الاقتصاد الوطني في سياق التنمية المستدامة.

وهكذا يتضح أنّ الجزائر تظهر التزاما متزايدا بإدماج مبادئ التنمية المستدامة ضمن سياسات وأدوات تهيئة المجال، لا سيما من خلال ترجمتها في النصوص التشريعية وإعطائها طابعا دستوريا. غير أن هذا التطور، رغم أهميته، يظل مرتبطا بمدى قدرته على الانتقال إلى الممارسة والتطبيق الفعلي، خاصة على مستوى المجالات الحضرية والأوساط الطبيعية الهشة التي تشهد ضغوط عمرانية وبيئية متزايدة. وفي هذا السياق فإن نجاح مسار الاستدامة في الجزائر لا يقاس بتعزيز الإطار التشريعي والمؤسساتي، بل بمدى تجسيد توجيهاته في الواقع اليومي من خلال جودة الحياة الحضرية وتوفير مساحات خضراء ومياه نظيفة. ويبرز المجال المحلي بوصفه المستوى الأكثر ملاءمة لإسقاط مفهوم شامل كالتنمية المستدامة إلى مفهوم محلي إلى أبعد حد، من خلال تحليل كل نقاط الالتقاء بين خصائص المجال المحلّي ومتطلبات الاستدامة.

حوض بوسلام مجال طبيعي تهدده مخاطر التوسّع الحضري والتلوّث

 يقع حوض واد بوسلاّم (حوض سد عين زادة) في الجزء الجنوبي الشرقي من حوض الصّومام، وهو أحد أحواضه الجزئية المهمة ذات التصريف الخارجي (خريطة رقم 1)، بمساحة بلغت 2143,01 كم2. تستحوذ (15 بلدية) على 68,85% من مساحته الإجمالية أي ما يعادل 1836,131 كلم²، أما المساحة المتبّقية بنسبة 14,32% أي ما يعادل 306,87903 كلم² فتقع في إقليم ولاية برج بوعريريج (3 بلديات).

خريطة 1: موقع الحوض الهيدروغرافي العلوي لواد بوسلام

 المصدر: من انجاز إلياس بن سديرة و عمار سماعلي بالاعتماد على مصادر متعددة.

ووفق التقسيم الإداري للجزائر، يمتد حوض واد بوسلام في إقليم ولاية سطيف يتّسم حوض واد بوسلام بعدم التجانس الطبيعي، وهي سمة مشتركة للأحواض الشمالية في الجزائر، حيث تتركز الجبال في شماله (جبال البيبان) وجنوبه (جبال بوطالب)، إلى جانب وجود بعض الجبال المعزولة داخل الحوض. في المقابل، تشغل السهول مساحة معتبرة من الحوض بمتوسط ارتفاع بلغ 950 م، وتشكل امتدادا للسهول العليا السطايفية، التي تتميز بانحدارات ضعيفة. كما نجد منطقة اقدام الجبال والتي تمثل نطاقا انتقاليا بين الجبال والسهول العليا، وتوجد بها معظم الشبكة الهيدروغرافية نتيجة تفرع المجاري المائية في هذه المنطقة من حوض واد بوسلام.

من الناحية الهيدرولوجية يظهر الحوض شكلا متطاولا نسبيا، حيث بلغ معامل التماسك (kc) 1,39، وهو ما انعكس على طول زمن التركيز -المدة التي يستغرقها الجريان من المنبع إلى المصب- والذي قدر بـ 25,86 ساعة، وهي مدة طويلة، خاصة في ظلّ سيادة الانحدارات الضعيفة (أقل من 3%) على أكثر من 40% من مساحة الحوض، وهو ما يحد من سرعة الجريان السطحي ويساهم في زيادة بقاء المياه السطحية ضمن الشبكة الهيدروغرافية للحوض، وتؤدي هذه الخصائص مجتمعة لزيادة قابلية تراكم الملوثات في أسرة الأودية، مما يجعل أودية الحوض أكثر حساسية اتجاه الضغوط الناتجة عن النشاط البشري، خاصة في سياق التوسع الحضري وطرح المياه المستعملة.

 النمو السكاني في حوض بوسلام وخطر التلوّث

شهد حوض واد بوسلام خلال العقود الأخيرة ديناميكيات ديموغرافية وعمرانية متسارعة، انعكست بشكل مباشر على أنماط استغلال المجال والضغط على موارده الطبيعية، فقد بلغ عدد سكان حوض بوسلام 529120 نسمة سنة 1998 ليصل إلى 637533 نسمة 2008 بمعدل نمو سكاني مرتفع بلغ 2,3% (خريطة رقم 2)، وبمعدل تجمع فاق 80% سنة 2008، كما يشهد الحوض انتشار وتوسع للظاهرة الحضرية، وهو الاتجاه العام الذي تشهده الجزائر، فخلال سنة 1987 كانت توجد فقط ثلاثة تجمعات حضرية على مستوى الحوض هي سطيف، عين ولمان، صالح باي، لترتقي خلال سنة 1998 أربع تجمعات عمرانية للشبكة الحضرية وهي: عين أرنات، عين عباسة، أوريسيا، بير قاصد علي. وخلال سنة 2008 اكتسبت سبعة تجمعات أخرى الصفة الحضرية وهي مزلوق، قصر الأبطال، رأس الماء (بلدية قجال)، عين تاغروت، إضافة إلى ثلاثة تجمعات ضاحوية لمدينة سطيف منها ما كان مصنف كتجمّعات عشوائية وهي عين الطريق، شوف لكداد، فرماتو.

 خريطة 2: توزيع السكان في حوض بوسلام سنة 2008

المصدر: من إنجاز إلياس بن سديرة وعمار سماعلي بالاعتماد على معطيات .ONS 

لا يُمثّل هذا التحوّل في البنية الحضرية داخل الحوض مجرد تغير كمي في عدد وتوزيع السكان، بل يعكس تحولات مجالية رافقها تزايد الطلب على الخدمات الأساسية، بما فيها شبكات الصرف الصحي. وقد أسهم هذا لا سيما في مناطق التوسع الضاحوي غير المهيكل، في ارتفاع حجم المياه المستعملة المطروحة في الوسط الطبيعي، وتفاقم تلوث المياه السطحية.

تلوّث المياه السطحية في حوض واد بوسلام

تُظهر وضعية شبكات الصرف الصحي في حوض واد بوسلام تباينا واضحا في نسب الربط، يعكس مستويات التحضر داخل الحوض، وعلى الرغم من ربط كل بلديات الحوض بشبكة الصرف لكن بنسب متفاوتة. وبصفة عامة، فالبلديات الواقعة جنوب الحوض تنخفض بها نسبة ربط السكان بشبكة الصرف، بسبب سيادة السكن المبعثر والتجمعات الثانوية، على غرار بلدية الرّصفة التي بلغت بها نسبة الربط بشبكة الصرف الصحي 55% سنة 2008. بينما يرتفع معدل ربط السكان بشبكة الصرف في بلديات الجزء الشمالي للحوض فأغلبها تفوق نسبة 85%، غير أنّ ارتفاع معدل الربط لا يعني بالضرورة وجود أو فعالية منظومة التصفية. لقد ظلّت مياه الصرف الصحي لسنوات عديدة تطرح في أودية الحوض -قبل انجاز محطات التصفية- وهو ما انعكس على نوعية المياه السطحية في الحوض. حيث أظهرت التحاليل المتحصّل عليها لعينات من الأودية المغذية لسد عين زادة وهي واد بوسلام، واد عين تاغروت، واد خروع عند مداخل هذه الأودية إلى السد، والتي أنجزت من طرف الجزائرية للمياه على مستوى محطة المعالجة لمياه السد، والنتائج المتحصل عليها مبينة في الشكل رقم 1. تُظهر نتائج التحاليل غياب التلوّث الفيزيائي والكيميائي بالعناصر الثقيلة في حوض بوسلام، في مقابل تسجيل مستويات مرتفعة من التلوث البيولوجي، تعكس ارتفاع حجم الملوّثات العضوية المحمولة عبر المجاري المائية، ويبين هذا النمط من التلوث أن المياه المستعملة المطروحة في الأودية هي بالأساس مياه حضرية ومياه ملوثة ناتجة عن النشاط الزراعي. يُبرز هذا الوضع محدودية قدرة الشبكة الهيدروغرافية، في غياب منظومة تصفية فعّالة، على تحمل ضغوط ديناميكيات النمو الحضري المتسارع داخل الحوض. كما يؤكد أن الضغط على الموارد المائية لا يرتبط فقط بمعدلات الربط بالشبكات، بل بطبيعة إدارة المياه المستعملة، ومستوى التكامل بين التهيئة الحضرية والبنية التحتية البيئية، وهو ما يفسر انتقال الضغط من المجال الحضري إلى الوسط الطبيعي المائي.

شكل 1: تغيرات التحاليل الفيزيائية والكيميائية في أودية حوض بوسلام

المصدر: الجزائرية للمياه ADE وحدة الإنتاج عين زادة. حيث بيّنت دراسة Samai et al., 2023)

اعتمادًا على تحاليل فيزيائية كيميائية متعدّدة المواقع على طول واد بوسلام، وجود تلوّث مرتفع ومتعدّد المصادر، يرتبط بمياه الصرف الحضري والصناعي والزراعي. كما أظهرت نتائج الدراسة ارتفاعًا ملحوظًا في مؤشّرات الطلب البيولوجي على الأكسجين، والمواد الآزوتية، والمواد العالقة، ما يعكس ضغطًا مستمرًا على النظام الهيدرولوجي للوادي، خاصة في المقاطع القريبة من التجمعات الحضرية ومناطق النشاط الاقتصادي. ويؤكّد هذا أنّ تدهور نوعية المياه السطحية في الحوض لا يرتبط فقط بنسبة الربط بشبكة الصرف وجود منشآت تصفية، بل بطبيعة تدبير المياه المستعملة وتعدد مصادر التلوث وضعف التحكم في مياه الصرف الملوّثة. وقد انعكست هذه الضغوط بشكل مباشر على نوعية المياه في بحيرة سد عين زادة، والتي تصنف نوعية مياها، وفقا لمعايير الوكالة الوطنية للموارد المائية (ANRH)، إلى أربعة أصناف هي جيدة، مقبولة، رديئة، جد ملوثة، يتم تمثيلها بواسطة ألوان هي على الترتيب أزرق، أخضر، أصفر، أحمر. وبالاعتماد على مقارنة نتائج التحاليل بالقيم الحدية لكل معيار، أمكن تتبع تطور نوعية المياه السطحية في بحيرة سد عين زادة خلال الفترة المدروسة، كما هو مبيّن في الجدول 1.

وتعتمد الطريقة المتبعة في تقييم نوعية المياه على تحاليل دورية تنجز من طرف وكالة (ANRH)، حيث يتمّ أخذ عينات شهرية من مياه السد وتحليلها وفق مجموعة من المعايير الفيزيائية والكيميائية المعتمدة، وتقارن القيم المتحصل عليها شهريا بالقيم الحدية لكل صنف من أصناف نوعية المياه، مما يسمح بإعداد جداول شهرية لتطوّر نوعية المياه. وعلى مدار السنة، يتمّ تقييم نوعية المياه بالاستناد على القيم الأكثر تمثيلا لدرجة التلوث، مع مراعاة عدد العينات المتوفرة خلال السنة، ففي حال توفر أقل من عشر عينات شهرية، نعتمد على أعلى قيمة مسجّلة لكل معيار، بينما نعتمد على القيمة ما قبل الأخيرة في الترتيب التصاعدي عندما يفوق عدد العينات الشهرية عشرة. وبناء على هذه القيم المرجعية نحدد نوعية المياه خلال السنة بمقارنتها مع القيم الحدية المعتمدة لكل صنف.

تظهر نتائج تحليل نوعية مياه سد عين زادة، خلال الفترة الممتدة من 1998 إلى 2006، تباينا واضحا في مستويات التلوّث حسب المؤشرات المعتمدة، مع انتشار التلوث العضوي والآزوتي-الفوسفوري بوصفه السمة العامة للتلوّث في بحيرة السد. فقد سجل الطلب الكيميائي على الأكسجين (DCO) مستويات مرتفعة، عكست نوعية جد ملوّثة لمياه السد خلال الفترة 1998-2003، وهو ما يشير إلى حمولة عضوية عالية. كما أظهرت قيم المواد العضوية (MO) والفوسفور (PO4) نوعية رديئة لمياه السد طيلة الفترة المدروسة، مما يؤكد وجود مصادر للتلوّث العضوي في حوض واد بوسلام.

جدول 1: نوعية المياه السطحية في سد عين زادة من 1998 إلى 2006

 المصدر: من انجاز إلياس بن سديرة وعمار سماعلي

بالاعتماد على معطيات الوكالة الوطنية للموارد المائية .ANRH بيّنت قيم الأمونيوم (NH4) تغيّرا في نوعية المياه بين الرديئة والمقبولة حسب السنوات، أما الأكسجين المنحل (O2D)، فقد أظهر تحسّنًا نسبيًا في نوعية المياه خلال الفترة 2002-2004 بعد تسجيل مستويات جد ملوثة خلال السنوات الأولى من الفترة المدروسة، مما يعكس تباينًا زمنيًا في قدرة الوسط المائي على التهوية الذاتية. في المقابل، سجّلت بعض المؤشرات الفيزيائية والكيميائية مثل الطلب البيوكيميائي على الأكسجين (DBO5)، والنتريت (NO2)، والنترات (NO3)، ودرجة الحموضة (PH)، والبقايا الجافة (RS) نوعية تتراوح بين الجيدة والمقبولة، في معظم سنوات الفترة المدروسة، مع تسجيل بعض حالات التدهور الظرفي، خاصة خلال سنة 2003 بالنسبة للنتريت، وسنتي 2001 و2002 بالنسبة لقيم PH، ويشير هذا التباين إلى أنّ التدهور المسجل يرتبط أساسا بارتفاع الحمولة العضوية والمغذيات الآزوتية. وتؤكّد هذه النتائج المستخلصة من تحاليل ANRH أنّ مياه سد عين زادة تعاني أساسًا من تلوث عضوي آزوتي-فوسفوري خلال الفترة 1998-2006، يرتبط بشكل مباشر بطرح المياه المستعملة الحضرية وكذلك الزراعية في الأودية المغذية للسدّ، مما يسمح بوصول الملوّثات إلى بحيرة السد بكميات معتبرة ويُفاقم من هشاشة النظام البيئي لسدّ عين زادة.

 البناء الفوضوي على مشارف واد بوسلام

يضمّ الحوض الهيدروغرافي لواد بوسلام مدن مهمّة، على غرار مدينة سطيف والتي شهدت نموا عمرانياً متسارعاً، تضاعفت وتيرته مع مطلع القرن الحادي والعشرين، على غرار العديد من المدن الجزائرية، تشير الإحصائيات إلى أن عدد سكانها تجاوز 287 ألف نسمة سنة 2008، وهو ما يعادل أكثر من نصف سكان حوض واد بوسلام. وكان لدورها كقطب عمراني جاذب أن حدث استقطاب كبير للسكان من المناطق المحيطة، بما في ذلك بلديات حوض واد بوسلام، مما انعكس على ارتفاع معدّلات نموها السكاني، هذا النموّ المتسارع تسبب في ظهور تجمعات سكنية غير منظمة، أبرزها تجمع شوف لكداد الواقع على ضفاف واد بوسلام، والذي شهد نمواً لافتاً وصل إلى 13.52% عام 1998 (صورة 1).

صورة 1 : السكن العشوائي بالقرب من واد بوسلام

 المصدر: إلياس بن سديرة، أفريل، 2024.

 في سنة 2008 بلغ عدد سكان هذا التجمّع 8060 نسمة كما شهد تحوّلاً نوعياً بعد أن صنّف ضمن التجمّعات الحضرية ONS, 2011, p. 53))، وذلك بعد اكتسابه للسمات والمعايير الحضرية، وأصبح ينظر إليه ضمن مخطّطات التهيئة كمجال لتوسّع مدينة سطيف بما يتوفّر عليه من احتياطات عقارية، وهكذا برزت تحدّيات جسيمة تواجه واد بوسلام، باعتباره وسطا إيكولوجيا حسّاسا، ناهيك هن الغابة المحاذية له "غابة الزاوش" والتي تشّكل مساحة خضراء حيوية للمجتمع المحلّي (صورة 2).

صورة 2: غابة واد بوسلام متنفس لسكان المنطقة

 المصدر: إلياس بن سديرة، ماي 2024.

وسائل حماية الوسط الطبيعي وخيارات الاستدامة

بعد تقييم المخاطر الناتجة عن التوسّع العمراني في حوض بوسلام وخاصة فيما يتعلّق بتلوّث المياه السطحية وانتشار السكن العشوائي على ضفاف وادي بوسلام، وجب الوقوف على استراتيجية الدولة والفاعليين المحلّيين في الحفاظ على البيئة الطبيعية وإعادة التوافق والارتباط الإيجابي بين السكّان وهذا الوسط الهشّ.

 التطهير على مستوى حوض بوسلام

يعاني حوض بوسلام من نقص في عدد محطّات تصفية المياه المستعملة، بالنظر إلى أهميته لوجود سد عين زادة بسعة إجمالية 125 مليون م³ والموجّه للتزود بالمياه الصالحة للشرب.

محطّة التصفية عين سفيهة

هي أول محطّة على مستوى الحوض، تقع على مستوى التجمّع الضاحوي عين سفيهة، وبدأت أشغال إنجازها في ديسمبر 1990، لتدخل الخدمة في مارس 1996، تستقبل المحطّة المياه الحضرية لمدينة سطيف بواسطة شبكة شبه منفصلة (semi-separatif) وتعمل على تصفية المياه الحضرية بقدرة 330000مكافئ سكاني للشطر الأول بسعة إجمالية بلغت66000 م³/اليوم. وحسب النظرة الاستشرافية للدراسة التقنية فإنّه يمكن توسيع المحطّة لتصبح بقدرة 450000 مكافئ سكاني وبتدفّق يومي 99000 م3/يوم. وبالنظر لاقتصار المحطة على مدينة سطيف فقط، وزيادة درجة التلوّث العضوي لمياه واد بوسلام وسد عين زادة تم توسيع شبكة التطهير في الحوض لتحقيق مجموعة من الأهداف، حيث سيتم تخصيص المياه المصفّاة لسقي الحقول الزراعية المحيطة بحوض بوسلام، بالنظر لتذبذب التساقط ووقوع أغلب مساحة الحوض في المنطقة شبه الجافة.

محطّة التصفية عين ولمان

تقع المحطّة شرق مدينة عين ولمان على بعد 2,7 كم وتبعد عن الطريق الوطني رقم 28 بـ1,5 كم، وتترّبع على مساحة 10هكتار، وقد تمّ اختيار موقعها في منطقة زراعية منبسطة تعرف أهمّ الزراعات السنوية: القمح والشعير، بالإضافة إلى زراعة الخضر، كما يبيّن ذلك الجدول 2.

 جدول 2: خصائص محطّة التصفية عين ولمان

المعايير 2015 2025 2040 نوعية الشبكة شبكة موحدة عدد المكافئ السكاني 121450 150000 210000 التدفق اليومي للمياه المستعملة م3/يوم 14577 18269 25189 التدفق الساعي المتوسط م3/ساعة 607 761 1050

 

المعايير

2015

2025

2040

نوعية الشبكة

شبكة موحدة

عدد المكافئ السكاني

121450

150000

210000

التدفق اليومي للمياه المستعملة م3/يوم

14577

18269

25189

التدفق الساعي المتوسط م3/ساعة

607

761

1050

 

المصدر: N.E.E, 2006. 

تقوم المحطّة بتصفية المياه المستعملة لتجمّعي عين ولمان وصالح باي والتجمّع الثانوي ذراع الميعاد بقدرة 121450 مكافئ سكاني، وبتدفّق يومي يفوق 14500 م3/يوم.

محطّة التصفية عين تاغروت

 تمّ اختيار موقع محطّة التصفية عين تاغروت في إقليم بلدية عين تاغروت على بعد 1,5كلم شرق مركز البلدية وعلى جانب الطريق الوطني رقم 5، وتحتلّ مساحة 10هكتار. يبيّن الجدول 3 أهمّ خصائص المحطّة.

جدول 3: خصائص محطة التصفية عين تاغروت 2030 2020 المعايير شبكة موحدة نوعية الشبكة 31000 26000 عدد المكافئ السكاني م.س 3712 3136 تدفق المياه المستعملة م3/يوم 155 131 متوسط التدفق الساعي م3/ساعة

2030

2020

المعايير

شبكة موحدة

نوعية الشبكة

31000

26000

عدد المكافئ السكاني م.س

3712

3136

تدفق المياه المستعملة م3/يوم

155

131

متوسط التدفق الساعي م3/ساعة

 

المصدر: N.E.E, 2005.

تقوم المحطّة بتصفية المياه المستعملة لتجمّعي عين تاغروت وبير قاصد علي بقدرة 26000 مكافئ سكاني سنة 2020، وبتدفق يومي بلغ 3136 م3/يوم. لا يعمل التوجّه، نحو توسيع شبكة التطهير في حوض بوسلام كاستراتيجية للحد من مخاطر النمو العمراني وانتشار وتوسّع الظاهرة الحضرية، على حماية المياه السطحية في أودية حوض بوسلام من التلوّث فقط، بل من المتوقّع أن تكون له نتائج اقتصادية واجتماعية، من خلال تشغيل يد عاملة مؤهلة في مجال تصفية المياه المستعملة كما سيسمح بتهيئة محيطات جديدة على غرار محيط السقي مزلوق-قلال 12000 هكتار ومحيط السقي عين تاغروت 5720 هكتار (خريطة 3)، مما يوفر فرص عمل ويخلق حركية اقتصادية على المستوى المحلّي والإقليمي.

خريطة 3: محطّات التصفية في حوض بوسلام وآثارها الاقتصادية على المنطقة

المصدر: من انجاز إلياس بن سديرة وعمار سماعلي بالاعتماد على معطيات مديرية الري سطيف وبرج بوعريريج.

رغم جهود حماية البيئة والمياه السطحية من التلوّث في حوض بوسلام إلاّ أنّ واد بوسلام وبحيرة سد عين زادة تبدي نوعية ردئية وملوثة وهناك اتجاه عام نحو ارتفاع قيم معايير قياس نوعية المياه السطحية (Boulgueraguer, 2019, p , 134-171)، وهو ما يحتم عملية تقييم لعمل هذه المحطات (جدول 4).

جدول 4: نوعية المياه السطحية في سد عين زادة سنة 2018م

 تبيّن نتائج تحاليل سنة 2018م أن مياه سدّ عين زادة تعاني من ضغط تلوّث عضوي واضح، يظهر من خلال القيم المرتفعة للطلب الكيميائي على الأكسجين (DCO)، التي تعكس وجود حمولة عضوية مرتفعة تضم مركبات ذات قابلية ضعيفة للتحلّل البيولوجي، ما يشير لوجود مياه صرف حضرية غير معالجة، إضافة لأنشطة حرفية وزراعية داخل الحوض.

ويعزّز هذا الاستنتاج تسجيل مستويات مرتفعة للمواد العضوية (MO)، والتي تعدّ مؤشّرا على النشاط البكتيري الكثيف، وفي هذا السياق فإنّ تلازم ارتفاع (DCO) مع بقاء الطلب البيوكيميائي على الأكسجين (DBO5) في حدود مقبولة، يدلّ على وجود جزء مهمّ من المادة العضوية غير القابلة للتحلل السريع، وهي حالة شائعة في بحيرات السدود المتأثّرة بالمياه المستعملة ذات المنشأ الحضري والزراعي. وتؤكد نوعية المياه الردئية لسد عين زادة فيما يتعلق بقيم الفوسفور (PO4) والنتريت (NO3) وجود تصريف حضري زراعي، ويمثل هذا النمط من التلوث مخاطر على التوازن الايكولوجي لسد عين زادة.

في المقابل فإنّ تسجيل نوعية مياه جيدة فيما تعلق بالأوكسجين المنحل (O2D) ودرجة الحموضة (PH) والبقايا الجافة (RS) يشير إلى أنّ الوسط المائي لسدّ عين زادة لا يزال يحتفظ بقدرة نسبية على التهوية الطبيعية كما لا يزال يحافظ على توازن هشّ أمام استمرار تدفق المياه المستعملة الحضرية.

تتقاطع هذه النتائج مع ما توصّلت إليه دراسة (Salamani et al., 2024) التي أظهرت استمرار تذبذب مؤشر جودة المياه (WQI) في سدّ عين زادة وتصنيف نوعيته رديئة، كما بيّنت الدراسة أنّ هناك تحسّن ملحوظ بعد المعالجة، رغم ارتفاع المواد العضوية (4,94 ملغ/ل) المسبّبة للرائحة والطعم غير المستساغين للمياه المعالجة والموجّهة للاستعمالات اليومية، ما يعكس محدودية أثر المعالجة التقنية. وهكذا يظهر أن هناك اختلال بين جهود حماية المياه السطحية في حوض بوسلام وواقع نوعية المياه السطحية، وهذا يرجع لعدة أسباب منها قلة التساقط وتراجع منسوب المياه الجوفية ما انعكس على حجم المياه المستعملة المطروحة وتراجع منسوب السد نتيجة الضخ المستمر وهو ما عمل على زيادة تركيز الملوثات.

غير أنّ أهمّ اختلال بيّنته الزيارة الميدانية للمحطّات، وجود مشاكل كبيرة في التسيير وصيانة منشآت المحطات. فمحطّة عين سفيهة تعاني من مشاكل عديدة حيث أنّها لا تشتغل بكامل طاقتها فهي تقوم بتصفية فقط 12000 م3/يوميا أي ما يمثّل أقلّ من 20% من قدرات التصفية. كما أنّ المياه الناتجة عن التصفية يتمّ إعادة طرحها في واد بوسلام دون أنّ يستفيد منها الفلاحون نظرا لعدم ربط المحطة بمحيطات السقي، وهذا أدى لانتشار السقي العشوائي من المياه الملوثة لواد بوسلام.

كما أظهر التحقيق الميداني صعوبة التخلّص من الأوحال التي كان من المفروض أنّ تحوّل إلى أسمدة زراعية، لكن يتمّ رميها بجانب المحطّة مما يجعلها عرضة لعملية الغسل أثناء تساقط الأمطار حيث تجرفها السيول إلى واد بوسلام. يطرح ذلك إشكالية التنسيق بين مختلف الهيئات المعنية، وعدم وجود إطار منظّم لهذه العملية في ظلّ رفض الفلاحين استخدام هذه الأوحال كأسمدة، ومن جهة أخرى فإنّ عدم فصل شبكة الصرف الصحي عن شبكة صرف مياه التساقط أدى إلى وصول أحجام مائية كبيرة إلى المحطّة أثناء تساقط الأمطار والتي تكون محملة بالتراب والحصى والرمل والأجسام الصلبة فيؤدي هذا إلى إيقاف عمل المحطة وتحويل المياه الحضرية الملوّثة مباشرة إلى واد بوسلام عبر قناة جانبية وذلك للمحافظة على هياكل وتجهيزات المحطة. والأمر نفسه بالنسبة لمحطة التصفية عين ولمان، ومحطة عين تاغروت فبعد دخولهما حيّز الخدمة سنتي 2012م و2016م على التوالي، غير ان أغلب الأحياء غير مربوطة بالمحطتين، كما لا يوجد ربط مع محيطات السقي وهو ما أدي بالمزارعين لكسر قنوات تجميع مياه الصرف الصحي وسقي أراضيهم بالمياه الملوّثة.

إدراج بعد الاستدامة ضمن أدوات التخطيط كنموذج للحوكمة الحضرية

انطلاقا من أنّ أغلب مراكز الشبكة الحضرية في الجزائر هي مدن صغيرة، والتي تمثّل رهان حقيقي للفاعلين لإعادة تثمين المدينة في الجزائر، في ظلّ ما يمكن أن تلعبه هذه المدن في عملية التحضّر من منظور الاستدامة (بن سديرة، 2018، ص. 182). في هذا الإطار، يأتي إعداد مخطط شغل الأراضي لتجمّع شوف لكداد، بعد دمجه ضمن النسيج العمراني لمدينة سطيف، كخطوة عملية لترجمة مبادئ الاستدامة إلى واقع ملموس.

تشير التقديرات السكانية المنجزة من طرف الوكالة الوطنية للتهيئة العمرانية (ANAT, 1997) إلى أنّ هذا التجمّع كان مرشحاً لاستيعاب ما يقارب 50,000 نسمة. كما أشار المخطط التوجيهي (PDAU, 2007) إلى تخصيص مساحة 1050 هكتاراً في هضبة شوف لكداد كاحتياط عقاري للتوسّعات المستقبلية المخطّطة، ويعكس هذا التوجه إدراكًا مبكّرًا للدور الوظيفي الذي يمكن أن يلعبه هذا المجال في امتصاص الامتدادات العمرانية لمدينة سطيف، شريطة تأطيره ضمن رؤية تخطيطية مندمجة.

يكتسي مخطط شغل الأراضي الخاص بشوف لكداد أهمية خاصة، بالنظر لسعيه لمعالجة الاختلالات الناتجة عن التوسّع العمراني غير المنظّم، من خلال دمج مناطق التوسع الجديدة مع النسيج القائم، وتطويق البناء العشوائي، مع إيلاء اهتمام خاص لحماية واد بوسلام باعتباره حدًا إيكولوجيًا بنيويًا للتوسع الحضري. ويتقاطع هذا التوجّه مع ما جاءت به دراسة (Diafat & Madani, 2011) بخصوص ضرورة اعتماد مقاربة استراتيجية وشمولية لإدماج شوف لكداد في النسيج الحضري، مع الحفاظ على وادي بوسلام كفضاء طبيعي حساس يواجه ضغوطًا عمرانية متزايدة (أنظر المخطط 1).

في هذا السياق، وبعد إتمام إزالة السكن الهش خلال سنة 2025م، من المتوقّع استرجاع حوالي 75 هكتار والتي ستشكّل مع مساحات أخرى تابعة للدولة وللخواص ما مجموعه 665 هكتار ستخصص لإنجاز 40 ألف سكن بمختلف الصيغ قادرة على استيعاب حوالي 200 ألف ساكن، بالإضافة لمختلف المرافق والتجهيزات العمومية وهو ما جاء ضمن مشروع الدراسة الأولية لتهيئة القطب الحضري شوف لكداد3 يمثّل هذا المخطط نقلة نوعية في التخطيط الحضري، حيث يجسد مبادئ التنمية المستدامة عبر تحقيق التوازن بين التعمير والمجالات الطبيعية المحيطة بواد بوسلام، بل ويعمل على إبراز قيمته البيئية والجمالية كجزء أساسي من الرؤية المستقبلية للمدينة.

 مخطط 1: مخطط شغل الأراضي شوف لكداد

 نموذج للحوكمة الحضرية المصدر: 2009 POS Chouf Lekded.

غير أنّ فعالية هذا المخطط، كنموذج للحوكمة الحضرية، لا تُقاس فقط بحجم البرامج العمرانية، بل بمدى قدرته على تحقيق توازن فعلي بين متطلّبات التعمير وحماية الوسط الطبيعي المحيط بواد بوسلام، وإدماج البعد البيئي ضمن القرارات التخطيطية والتنفيذية. فالتجارب السابقة في الجزائر كما بيّنتها الأدبيات، تُظهر أن غياب التنسيق بين التخطيط، والتسيير، وإشراك الفاعلين المحليين، قد يُحوّل أدوات التخطيط إلى مجرد أطر تنظيمية.

وفي هذا السياق، لا يمكن تقييم فعّالية مخطط شغل الأراضي لشوف لكداد بمعزل عن الخصائص الإيكولوجية لواد بوسلام نفسه، باعتباره المجال الطبيعي الأكثر تأثرًا بخيارات التوسع العمراني، والأساس البيئي الذي يُفترض أن يشكّل مرجعًا لأي تصوّر تخطيطي مستدام. حيث يُشكِّل واد بوسلام نظامًا إيكولوجيًا حساسًا يتميز بأهمية بيئية واقتصادية واجتماعية متكاملة، ويقع جزء منه ضمن النطاق العمراني لمدينة سطيف. يتمتعّ هذا الوادي بتنوّع بيولوجي ملحوظ يتجلّى في تشكيلاته النباتية المتميزة التي تضمّ مساحات رعوية ومروجًا طبيعية متداخلة مع غطاء نباتي شجري، إلى جانب وجود أراضي زراعية عالية الإنتاجية تشكّل مصدر دخل للسكان المحليين. كما يضمّ الوادي عددًا من مزارع تربية الأبقار التي تسهم في الاقتصاد المحلّي، من الناحية الاجتماعية والثقافية، يمثل واد بوسلام عنصرًا أساسيًا في الذاكرة الجمعية للمجتمع السطايفي، حيث يشكل جزءًا لا يتجزأ من التراث الطبيعي والثقافي للمنطقة. هذه القيمة متعدّدة الأبعاد تجعل من الحفاظ على هذا النظام البيئي أولوية قصوى، خاصة في ظلّ النمو العمراني المتسارع الذي يهدّد بفقدان موارده الطبيعية. فالأهمية الإيكولوجية لهذا الوادي ودوره في الحفاظ على التنوّع البيولوجي المحلّي يستدعي تطوير آليات حماية فعالة تراعي التوازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على الموروث الطبيعي. (صورة 3). 

صورة 3: واد بوسلام مجال طبيعي متنوع

 المصدر: إلياس بن سديرة، ماي 2024.

لذلك فالدفع باتجاه تنويع وظائف المجال الطبيعي لواد بوسلام يعد مدخلاً أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة في المنطقة، حيث يمثّل هذا النهج ركيزةً لتحقيق التكامل بين الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية. فمن خلال إرساء نظام إيكولوجي متوازن، يمكن تعزيز التفاعل الإيجابي بين مكونات الوادي والسكان، حيث تُسهم هذه الرؤية في خلق تناغم بين الاستخدامات الزراعية والمتطلّبات العمرانية والوظائف الترفيهية. وتكمن أهمية هذا التوجه في كونه يُحقّق ثلاث غايات متلازمة: حماية الخصائص البيئية الفريدة للوادي، وتأمين موارد رزق مستدامة للسكان، وإثراء الحياة المجتمعية من خلال المساحات الترفيهية (صورة 4).

صورة 4: مساحات للترفيه على ضفاف واد بوسلام

 المصدر: إلياس بن سديرة، ماي 2024.

لذلك، يظهر من خلال المجال الطبيعي لواد بوسلام، الذي سيحتضن جانب من الأنشطة الترفيهية، أنّ مخطط التهيئة يعزز بوضوح التنمية الحضرية المستدامة، التي تجعل من المجالات الطبيعية مكسبا يضمن التنوّع ويعيد التوازن البيئي المفقود في مدينة سطيف، نظرا للتوجّه الذي كان سائدا والذي أعطى أولوية للسكن على حساب توفير بيئة حضرية سليمة.

خاتمـة

 من خلال استراتيجية حماية الأوساط الطبيعية في حوض بوسلام اتّضح أنّ الجزائر تُظهر وعيا بأهمية التنمية المستدامة. يظهر ذلك من خلال إدراج مفهوم الاستدامة ضمن وثائق التهيئة ومحاولة إسقاط المفاهيم الشاملة للاستدامة على المستوى المحلّي، رغم التحدّيات المرتبطة بالتوسّع العمراني وانتشار الظاهرة الحضرية ووقوع أغلب مساحة الجزائر ضمن النطاق الجاف وشبه الجاف، وهو ما يزيد من مخاطر تلوّث المياه السطحية.

 تُظهر المقارنة بين المرحلتين (1997–2006) و(2018) أن إدماج الاستدامة في التشريعات وأدوات التهيئة، ثم تعزيز وسائل الحماية عبر تشغيل محطّتي التصفية، لم ينعكس إيجاباً على تحسّن مستدام في نوعية المياه السطحية بحوض واد بوسلام. فقد استمرت بحيرة سد عين زادة في إظهار قيم مرتفعة للتلوّث وخاصة التلوّث العضوي والتلوّث الآزوتي-الفوسفوري رغم التحوّلات التشريعية والتخطيطية وتجهيزات التصفية، وهو ما يعكس هشاشة النظام البيئي المائي في حوض واد بوسلام أمام تراكم الضّغوط وتعدّد مصادرها.

 أظهرت النتائج أنّ تدهور نوعية المياه ليس ظرفيا، بل يرتبط ببنية ضغط مركبة تجمع بين: تحضّر متسارع وتمدّد ضاحوي غير مهيكل قرب ضفاف الوادي، ومحدودية فعالية منظومة التصفية بفعل اختلالات التشغيل والربط والصيانة وإدارة مخرجات التصفية، وضعف التنسيق بين الفاعلين المحلّيين وبين التخطيط العمراني والبنية التحتية البيئية. لذلك انتقل العبء من المجال الحضري إلى الوسط الطبيعي المائي، وتحوّل الوادي والسد إلى وسط يستقبل تدفّقات المياه المستعملة الملوّثة.

لقد بيّن الواقع الميداني أنّ مخطّطات التهيئة ومبادئ الاستدامة بقيت، في جوانب كثيرة منها، إطارًا نظريا موجِّهًا أكثر من كونها آلية ضبط فعلي، في الوقت الذي تعثّر فيه التجسيد الميداني بفعل محدودية التحكّم في ديناميات التوسّع العمراني وتشتّت المسؤوليات في تدبير المياه المستعملة.

لقد أظهرت الدراسة أيضا وجود قيدٍ منهجي يتمثّل في صعوبة الحصول على سلاسل زمنية متصلة وشاملة لمؤشرات جودة المياه، وهو ما يجعل النتائج أقرب إلى قراءة تحليلية–تفسيرية، مع التأكيد على الحاجة إلى إرساء منظومة رصد منتظمة تتيح تقييمًا أدقّ لفعالية وسائل حماية المياه السطحية من التلوث.

بيبليوغرافيا

 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية. (2001، 15 ديسمبر). قانون 01-20 المؤرخ في 12 ديسمبر 2001، المتعلق بتهيئة الاقليم وتنميته المستدامة، العدد 77.

الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية. (2006، 12 مارس). قانون رقم 06-06 المؤرخ في 20 فبراير 2006، المتضمن القانون التوجيهي للمدينة، العدد 15.

الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. (2010، 21 أكتوبر). قانون رقم 10-02 المؤرخ في 29 يونيو 2010، المتضمن المصادقة على المخطط الوطني لتهيئة الإقليم، العدد 61.

برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat). (د.ت.). الحوكمة الحضرية. تم الاطلاع عليه في 15 أكتوبر 2020، من: https://ar.unhabitat.org/governance/

بن سديرة، إلياس. (2018). المدينة في الجزائر من المفهوم الإحصائي إلى التعريف القانوني. مجلة تشريعات التعمير والبناء، (6)، 165–184. جامعة ابن خلدون، تيارت.

برونيل، سيلفي. (2012). التنمية المستدامة: رهان الحاضر (ترجمة رشيد برهون، ط. 1). هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، مشروع كلمة.

الجزائر. (2016). دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، العدد 14، 14 صفر 1437 هـ الموافق 7 ديسمبر 2016.

مديريات البرمجة والتخطيط، الري، والموارد المائية لولايتي سطيف وبرج بوعريريج. (د.ت.). وثائق غير منشورة.

الجزائرية للمياه (ADE)، وحدة الإنتاج عين زادة. (د.ت.). وثائق تقنية غير منشورة.

الوكالة الوطنية للموارد المائية (ANRH). (د.ت.). وثائق وبيانات نوعية المياه غير منشورة. Albertone, B. (2025). Lost principles of a “sustainable developmentalism”. Review of International Political Economy, 32(3), 766–789. https://doi.org/10.1080/09692290.2024.2447735

Algérie. (2011). Rapport national de l’Algérie : 19ème session de la Commission du développement durable des Nations Unies (CDD-19). Nations Unies.

Algérie. (2019). Rapport national volontaire : Progression de la mise en œuvre des Objectifs de développement durable. Agenda 2030. Gouvernement algérien.

Agence nationale de l’aménagement du territoire (ANAT). (1997). Étude de deux aires de planification à Sétif (Chouf Lekdad–plateau d’El Bez et Ouled Saber). Rapport technique non publié.

Asadzadeh, A., Fekete, A., Khazai, B., Moghadas, M., Zebardast, E., Basirat, M., & Kötter, T. (2023). Capacitating urban governance and planning systems to drive transformative resilience. Sustainable Cities and Society, 96, 104637. https://doi.org/10.1016/j.scs.2023.104637

 Boulgueraguer, Z. (2019). Impact des rejets urbains et domestiques sur la qualité des eaux de l’Oued Boussellam (Sétif, Nord-Est algérien) : Inventaire des polluants et conséquences environnementales [Thèse de doctorat, Université Badji Mokhtar].

Bureau d’Études National Eau et Environnement (NEE). (2005). Étude de la station d’épuration des eaux usées de la ville d’Aïn Taghrout et Bir Kasd Ali : Phase 2, étude d’avant-projet. Rapport technique non publié.

Bureau d’Études National Eau et Environnement (NEE). (2006). Projet d’actualisation de la station d’épuration des villes d’Aïn Oulmène et Salah Bey : Phase 2, choix de la variante. Rapport technique non publié.

Bureau d’Études National Eau et Environnement (NEE). (2006). Projet d’actualisation de la station d’épuration des villes d’Aïn Oulmène et Salah Bey. Étude d’impact sur l’environnement. Rapport technique non publié.

Diafat, A., & Madani, S. (2011). Strategic and comprehensive approach integrating the marginal Chouf Lekdad settlements into Setif – Algeria. Paper presented at The City at a Human Scale, Faculty of Architecture, Universidad Politécnica de Madrid. Retrieved November 27, 2025, from : https://www.researchgate.net publication/315895215_STRATEGIC_AND_COMPREHENSIVE_APPROACH_INTEGRATING_THE_MARGINAL_CHOUF_LEKDAD_SETTLEMENTS_INTO_SETIF_-_ALGERIA 

Egelston, A. E. (2013). Sustainable development: A history. Springer. https://doi.org/10.1007/978-94-007-4878-1

Hersperger, A. M., Sciara, G.-C., Bacău, S., Imhof, C. S., & Zhao, C. (2024). Governing urban regions with a network of plans. Cities, 146, 104683. https://doi.org/10.1016/j.cities.2023.104683

International Union for Conservation of Nature and Natural Resources. (1980). World conservation strategy: Living resource conservation for sustainable development. IUCN.

Jacobus, A. (2006). Sustainable development: Historical roots of the concept. Environnemental Sciences, 3(2), 83–96. https://doi.org/10.1080/15693430600688831 Lévy, J., & Lussault, M. (Éds.). (2003). Dictionnaire de la géographie et de l’espace des sociétés. Belin.

Mensah, J. (2019). Sustainable development: Meaning, history, principles, pillars, and implications for human action. Cogent Social Sciences, 5, https://doi.org/10.1080/23311886.2019.1653531

Michel, R. (2021). Le rapport au Club de Rome : Halte à la croissance, un texte fondateur. Recherches Internationales, 119, 87–98. https://doi.org/10.3406/rint.2021.1779

Michael, L. (2019). Urban governance. In The Wiley Blackwell Encyclopedia of Urban and Regional Studies. Wiley. https://doi.org/10.1002/9781118568446.eurs0366

Office National des Statistiques (ONS). (2011). Armature urbaine (Collection statistique n° 163). ONS.

Office National des Statistiques (ONS). (2008). Recensement général de la population et de l’habitat (RGPH 2008). ONS.

Ruggerio, C. A. (2021). Sustainability and sustainable development: A review of principles and definitions. Science of the Total Environment, 786, 147481. https://doi.org/10.1016/j.scitotenv.2021.147481

Salamani, A., Boulgueraguer, A., & Bouzidi, M. (2024). Assessment of the physico-chemical quality of untreated and treated water using water quality index (WQI): Case of Ain Zada Dam (Algeria). Asian Journal of Water, Environment and Pollution, 21(2), 49–55. https://doi.org/10.3233/AJW240021

Samai, I., Boulgueraguer, A., Bouallag, M., & Bouzidi, M. (2023). Degradation of Oued Boussellam (Wilaya of Sétif, Algeria) by pollution. Egyptian Journal of Aquatic Biology and Fisheries, 27(2), 75–85. https://doi.org/10.21608/ejabf.2023.289973

Song, K., Chen, Y., Duan, Y., & Zheng, Y. (2023). Urban governance: A review of intellectual structure and topic evolution. Urban Governance, 3(3), 169–185. https://doi.org/10.1016/j.ugj.2023.06.001

Trimmer, J. T., Qureshi, H., Otoo, M., & Delaire, C. (2023). The enabling environment for citywide water service provision: Insights from six successful cities. PLOS Water, 2(6), e0000071. https://doi.org/10.1371/journal.pwat.0000071

United Nations. (1973). Report of the United Nations Conference on the Human Environment, Stockholm, 5–16 June 1972. United Nations.

United Nations. (1993). Report of the United Nations Conference on Environment and Development, Rio de Janeiro, 3–14 June 1992 (Vol. I, A/CONF.151/26). United Nations.

United Nations. (2002). Report of the World Summit on Sustainable Development, Johannesburg, 26 August–4 September 2002 (A/CONF.199/20). United Nations.

United Nations General Assembly. (2001). Declaration on cities and other human settlements in the new millennium (A/RES/S-25/2). United Nations. https://docs.un.org/ar/A/RES/S-25/2

United Nations Human Settlements Programme. (n.d.). Urban governance. Retrieved October 15, 2020, from https://ar.unhabitat.org/governance/

UNESCO. (1970). Use and conservation of the biosphere: Proceedings of the intergovernmental conference of experts on the scientific basis for rational use and conservation of the resources of the biosphere (Paris, 4–13 September 1968). UNESCO.

URBAS (2009), Plan d’occupation des sols (POS) Chouf Lekdad. Document d’urbanisme. Commune de Sétif.

URBAS (2007), Revision: PDAU SETIF. Document d’urbanisme. Commune de Sétif.

Wu, T., Rocha, J. C., Berry, K., Chaigneau, T., Hamann, M., Lindkvist, E., Qiu, J., Schill, C., Shepon, A., Crépin, A.-S., & Folke, C. (2024). Triple bottom line or trilemma? Global tradeoffs between prosperity, inequality, and the environment. World Development, 178, 106595. https://doi.org/10.1016/j.worlddev.2024.106595

Zhu, Z. Y. (2025). Ethical AI governance in urban governance: Normative, descriptive and prescriptive challenges and opportunities of autonomous vehicles. Transforming Government: People, Process and Policy, 19(4), 914–932. https://doi.org/10.1108/TG-06-2025-0191

استشهد بهذا المقال

CEMALI, A. (2025). التوسّع العمراني وتحدّيات الاستدامة وحماية الأوساط الطبيعية الهشّة في حوض واد بوسلام خلال الفترة 1997-2018 م. إنسانيات - المجلة الجزائرية في الأنثروبولوجيا و العلوم الاجتماعية, 29(110), 13–47. https://www.insaniyat.crasc.dz/ar/article/altwsa-alamrany-wthdyat-alastdama-whmaya-alawsat-altbyaya-alhsha-fy-hwd-wad-bwslam-khlal-alftra-1997-2018-m